المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لنصلح فهمنا للآخر


علاء الدين ال رشي
23-08-2005, 11:29 PM
بقلم: علاء الدين آل رشي*

حكايتنا مع الآخر والحوار معه تحتاج إلى فرصة أكثر لاكتشاف مساحة مضيئة تنتقل بنا من حيز التصورات والانفعالات والسلوكيات التصفوية والتشهيرية إلى تفكير أكثر مسؤولية وحكمة يؤمن بان الآخر مهما تباين عنا فهو من حكم الله في الحياة وضرورة لإثراء ذواتنا, وتنمية قدراتنا, وتحفيز مواهبنا وبعد هذا الإيمان بقداسة الآخر نكلله بالحوار معه والتبادل السلمي للأفكار والاعتراف بضرورة وجوده.
إن الحوار مع الآخر هو ثمرة لقناعة فكرية بأهمية الآخر وهو سلوك يدل على تحضر القائمين عليه.
ولذلك فان أي خطوة تسبق إيجاد قنا عات -وليس مداهنات أو مواقف آنية تدعو إلى الحوار- فلن يكون هناك أي جدوى من هذه الدعوات فقبل الحوار لابد من الاعتراف بالآخر فجذر مشكلتنا ليس في التأكيد على أهمية الحوار وإنما في رؤيتنا للأخر الذي نحن في قطعية متعددة المظاهر معه فالآخر لا نعترف به إلا في حالات اضطرارية لا اختيارية وبشكل (بانورامي) مخيف ومفزع فمن اختلف عنا أيدلوجيا فهو بالتأكيد إما أصولي متزمت أو علماني متفلت وحتى بين أبناء الدين الواحد فالآخر المختلف معنا في تفسير النص الديني فلابد أن ينال حظه الوافر ونصيبه من مفردات قاموس الشتائم الديني التي تبدأ (بالاعتزال وتمر بالفسوق والضلال وتنتهي بالتكفير) وفي أحسن الحالات نتجاهل هذا المختلف عنا ونهمشه.
وأما الآخر ممن اختلف عنا بيولوجيا في_ التكوين العضوي_ فهو من أكثر أهل النار موردا وهو مصدر الشهوة والفتنة والإغواء فأغلب الذكور ينظرون إلى المرآة وكأنها مفردة جنسية وحسب لا تقرأ حروفها إلا على السرير وكذلك نظرة الإناث إلى الذكور محكومة بالموروث الشعبي الشهير لا آمان للرجال.
و في حياتنا الفكرية لم نتعود البتة على شئ اسمه الآخر فرأينا صواب مئة بالمئة يحتمل وجود الخطأ ولكن ما أندره والنادر كالمعدوم فلا خطأ إذا عندنا وأما الآخر فرأيه خطأ مئة بلامئة قد يحتمل الصواب ولكن لا وجود للصواب لديه وبهذه المعادلة فلا آخر في عقلنا لانتفاء الحاجة إليه ولكونه مخطئا أصلا كما أن مظاهر العجز في التعامل مع الآخر تتعدى حدود المشهد الاجتماعي والفكري الى السياسة فالمعارضة يعترف بها في محاكم أمن الدولة حيث هي عناصر تخريب وإرهاب والسلطات تعترف بها المعارضة بأنها وحش ينبغي قتله ويتحول البلد الكبير الى حلبة صراع دموية يدفع ضريبتها المجتمع بأسره.
وهكذا العنف سيد الأحكام في التعامل مع الآخر الذي نختزل علاقتنا به بالثنائيات القاتلة (مع أو ضد) أو تلك الثلاثية الخادعة إلا أنها سلوكية واضحة الهوية في تعاملاتنا (وافق أو نافق أو فارق) ولو انتقلتا في نظرتنا إلى رؤيتنا للآخر ولكن خارج نطاق بلادنا وحدود العالم العربي والإسلامي.
فالآخر هو من تسيطر على مخيلتنا في كثير من الأحيان أنه سبب هزائمنا ونكباتنا وسرقة خيراتنا وهو شر مطلق لاخير فيه ومستباح بكل ما تعني هذه الكلمة من الدلالات كما ان الآخر في الخارج لا يسلم من وجه عابس كالح ويد طويلة تدميرية وفكر إقصائي قهري نقابله به ويغذي هذه التوجهات المأزق الكبير الذي وقع فيه الإنسان العربي اليوم فوعيه بالآخر تطحنه لقمة هاربة معيشية وسلطة سياسية باطشة فالحالة الاجتماعية اليوم من فقر وانتشار الباطلة والأمية الفكرية حولت وعيه بالآخر الى ارض خصبة للتصورات الساذجة والمضحكة يمليها عليه القهر السياسي الذي يقبض على أنفاس الشعوب ويحبسها في إعلام مزيف مأجور للسلطة يحشو عقول الجماهير بالحديث عن المآثر والمناقب الخالدة للقائد وللمسيرة وللمنجزات والأمن والاستقرار ولكن عندما ينتقل هذا الإعلام الموجه المزيف الكذوب للحديث عن الآخر فالأمر مختلف تماما فالآخر في ذاكرة شعوبنا العربية محتل ومغتصب ولعنة حلت من السماء وعلينا أن نقاطع بضائعه وأن نهجر وده.
هكذا يرسخ إعلام الكثير من الأنظمة العربية مفهوم الآخر لدى شعوب المنطقة انه موجود ليقتلنا أو لنقتله ليسرقنا أو لنكف يده عنا ويقوي هذه الدعايات المركزة والمكثفة والمختصرة أدعياء الثقافة ورجال الدين من أجراء السلطات التي أرادت أن تصرف نظر شعوبها إلى الآخر الخارجي بدلا من النظر في العيوب الداخلية والقرار الذي اتخذ منذ عقود طويلة في تحويل العربي الى متفرج مشاهد مصفق لا يجيد سوى الهتاف بأمجاد الزعيم و النظر الى الآخر الخارجي بنظرة العداء وفي سبيل تكريس هذه النظرة وتعميقها في العقل الجمعي للشعوب ألهت الأنظمة العربية الشعوب بمثقفين نضاليين تغلب عليهم مسحة التهييج وإثارة العواطف كما نلحظ نتيجة لهذه الهيمنة الإعلامية والتزييف المتتالي أن علاقة المثقف بالشعوب تزداد عمقا واطرادا كلما تهجم وانتقد الآخر ونعته بشتى الشتائم وعزى إليه أسباب تخلفنا وارتكاسنا ولكن في المقابل نجد هذا المثقف ينام ملء جفونه على أخطاء الداخل والمقابح الكبيرة والذنوب والمعاصي السياسية ويصحو ليحدث الناس عن فظاعة سجن أبو غريب ويغرق الناس بفتوح و أمجاد الماضي والحضارة التي ولت ويغمض عينيه على الانتهاكات المتواصلة لأبسط حقوق الإنسان في الوطن العربي وأن بعض السلطات العربية جلست تضحك على ماسمي بفضيحة سجن أبو غريب حيث تجاوزت هي هذه الخطوط وزادت عليها بكثير ويكفي لو أن قناة عربية تفسح لأي معتقل رأي عربي ليحدثكم عن أهوال تفوق بكثير ما عرض علينا ان الغرب لن يقيم لحوارنا معه أي وزن مالم ننجح نحن في تجسير الهوة والمعافاة من الندوب الكثيرة والقبيحة في مسرح حياتنا واذا نحن نجحنا في هذا فيمكن أن يحترم الغرب حوارنا معه ويمكن أن يقيم للحوار معنى وقيمة.
اننا نجيد أن نطلق الدعايات الكبيرة والشعارات الرنانة ولكننا حتما فاشلون في اقامة أي حوار بيننا والمدخل الوحيد لنهوض قادم هو في الاعتراف بالآخر مهما اختلف عنا.