نجود
04-05-2006, 12:34 PM
محمد الصغير
قال: كنت يومئذ صغيراً ، لا أفقه شيئاً مما كان يجري في الخفاء ، ولكني كنت أجد أبي ـ رحمه الله ـ يضطرب ، ويصفر لونه كلما عدت من المدرسة ، فأتلو عليه ما حفظت من " الكتاب المقدس "، وأخبره بما تعلمت من اللغة الإسبانية ، ثم يتركني ويمضي إلى غرفته التي كانت في أقصى الدار ، والتي لم يكن يأذن لأحد بالدنو من بابها ، فيلبث فيها ساعات طويلة ، لا أدري ما يصنع فيها ، ثم يخرج منها محمر العينين ، كأنه كان بكى بكاءً طويلاً ، ويبقى أياماً ينظر إلىَّ بلهفة وحزن ، ويحرك شفتيه ، فعل من يهم بالكلام ، فإذا وقفت مصغياً إليه ولاّني ظهره وانصرف عني من غير أن يقول شيئاً .
وكنت أجد أمي تشيعني كلما ذهبت إلى المدرسة ، حزينة دامعة العين ، وتقبلني بشوق وحرقة ، ثم لا تشبع مني ، فتدعوني فتقبلني مرة ثانية ، ولا تفارقني إلا باكية ، فأحس نهاري كله بحرارة دموعها على خدي ، فأعجب من بكائها ولا أعرف له سبباً ، ثم إذا عدت من المدرسة استقبلتني بلهفة واشتياق ، كأني كنت غائباً عنها عشرة أعوام .
وكنت أرى والديّ يبتعدان عني, ويتكلمان همساً بلغة غير اللغة الإسبانية ، لا أعرفها ولا أفهمها ، فإذا دنوت منهما قطعا الحديث ، وحوّلاه ، وأخذا يتكلمان بالإسبانية ، فأعجب وأتألم ، وأذهب أظن في نفسي الظنون ، حتى أني لأحسب أني لست ابنهما ، وأني لقيط جاءا به من الطريق ، فيبرح بي الألم ، فآوي إلى ركن في الدار منعزل ، فأبكي بكاءً مراً .
وتوالت علي الآلام فأورثتني مزاجاً خاصاً ، يختلف عن أمزجة الأطفال الذين كانوا في مثل سني ، فلم أكن أشاركهم في شيء من لعبهم ولهوهم ، بل أعتزلهم وأذهب ، فأجلس وحيداً ، أضع رأسي بين كفي ، واستغرق في تفكيري ، أحاول أن أجد حلاً لهذه المشكلات .. حتى يجذبني الخوري من كم قميصي ، لأذهب إلى الصلاة في الكنسية .
وولدت أمي مرة ، فلما بشرت أبي بأنها قد جاءت بصبي جميل ، لم يبتهج ولم تلح على شفتيه ابتسامة ، ولكنه قام بجر رجله حزيناً ملتاعاً ، فذهب إلى الخوري ، فدعاه ليعمد الطفل ، وأقبل يمشي وراءه ، وهو مطرق برأسه إلى الأرض ، وعلى وجهه علائم الحزن المبرح ، واليأس القاتل ، حتى جاء به إلى الدار ودخل به على أمي .. فرأيت وجهها يشحب شحوباً هائلاً ، وعينيها تشخصان ، ورأيتها تدفع إليه الطفل خائفة حذرة .. ثم تغمض عينيها ، فحرت في تعليل هذه المظاهر ، وازددت ألماً على ألمي .
حتى إذا كان ليلة عيد الفصح ، وكانت غرناطة غارقة في العصر والنور ، والحمراء تتلألأ بالمشاعل والأضواء ، والصلبان تومض على شرفاتها ومآذنها ، دعاني أبي في جوف الليل ، وأهل الدار كلهم نيام ، فقادني صامتاً إلى غرفته ، إلى حرمه المقدّس ، فخفق قلبي خفوقاً شديداً واضطربت ، لكني تماسكت وتجلدت ، فلما توسط بي الغرفة أحكم إغلاق الباب ، وراح يبحث عن السراج ، وبقيت واقفاً في الظلام لحظات كانت أطول عليّ من أعوام ، ثم أشغل سراجاً صغيراً كان هناك ، فتلفتّ حولي فرأيت الغرفة خالية ، ليس فيها شيء مما كنت أتوقع رؤيته من العجائب ، وما فيها إلا بساط وكتاب موضوع على رف ، وسيف معلق بالجدار ، فأجلسني على هذا البساط ، ولبث صامتاً ينظر إليّ نظرات غريبة اجتمعت علي ، هي ، ورهبة المكان ، وسكون الليل ، فشعرت كأني انفصلت عن الدنيا التي تركتها وراء هذا الباب ، وانتقلت إلى دنيا أخرى ، لا أستطيع وصف ما أحسست به منها .. ثم أخذ أبي يدي بيديه بحنو وعطف ، وقال لي بصوت خافت :
يا بني ، إنك الآن في العاشرة من عمرك ، وقد صرت رجلاً ، وإني سأطلعك على السر الذي طالما كتمته عنك ، فهل تستطيع أن تحتفظ به في صدرك ، وتحبسه عن أمك وأهلك وأصحابك والناس أجمعين ؟ إن إشارة منك واحدة إلى هذا السر تعرض جسم أبيك إلى عذاب الجلادين من رجال "ديوان التفتيش".
فلما سمعت اسم ديوان التفتيش ارتجفت من مفرق رأسي إلى أخمص قدمي ، وقد كنت صغيراً حقاً ، ولكني أعرف ما هو ديوان التفتيش ، وأرى ضحاياه كل يوم وأنا غاد إلى المدرسة ، ورائح منها . فمن رجال يصلبون أو يحرقون ، ومن نساء يعلقن من شعورهن حتى يمتن ، أو تبقر بطونهن ، فسكتُ ولم أجب .
فقال لي أبي : مالك لا تجيب ! أتستطيع أن تكتم ما سأقوله لك ؟
قلت : نعم
قال : تكتمه حتى عن أمك وأقرب الناس إليك ؟
قلت : نعم
قال : أقترب مني . أرهف سمعك جيداً ، فإني لا أقدر أن أرفع صوتي . أخشى أن تكون للحيطان آذان ، فتشي بي إلى ديوان التفتيش ، فيحرقني حياً .
فاقتربت منه وقلت له:
إني مصغ يا أبت.
قال: كنت يومئذ صغيراً ، لا أفقه شيئاً مما كان يجري في الخفاء ، ولكني كنت أجد أبي ـ رحمه الله ـ يضطرب ، ويصفر لونه كلما عدت من المدرسة ، فأتلو عليه ما حفظت من " الكتاب المقدس "، وأخبره بما تعلمت من اللغة الإسبانية ، ثم يتركني ويمضي إلى غرفته التي كانت في أقصى الدار ، والتي لم يكن يأذن لأحد بالدنو من بابها ، فيلبث فيها ساعات طويلة ، لا أدري ما يصنع فيها ، ثم يخرج منها محمر العينين ، كأنه كان بكى بكاءً طويلاً ، ويبقى أياماً ينظر إلىَّ بلهفة وحزن ، ويحرك شفتيه ، فعل من يهم بالكلام ، فإذا وقفت مصغياً إليه ولاّني ظهره وانصرف عني من غير أن يقول شيئاً .
وكنت أجد أمي تشيعني كلما ذهبت إلى المدرسة ، حزينة دامعة العين ، وتقبلني بشوق وحرقة ، ثم لا تشبع مني ، فتدعوني فتقبلني مرة ثانية ، ولا تفارقني إلا باكية ، فأحس نهاري كله بحرارة دموعها على خدي ، فأعجب من بكائها ولا أعرف له سبباً ، ثم إذا عدت من المدرسة استقبلتني بلهفة واشتياق ، كأني كنت غائباً عنها عشرة أعوام .
وكنت أرى والديّ يبتعدان عني, ويتكلمان همساً بلغة غير اللغة الإسبانية ، لا أعرفها ولا أفهمها ، فإذا دنوت منهما قطعا الحديث ، وحوّلاه ، وأخذا يتكلمان بالإسبانية ، فأعجب وأتألم ، وأذهب أظن في نفسي الظنون ، حتى أني لأحسب أني لست ابنهما ، وأني لقيط جاءا به من الطريق ، فيبرح بي الألم ، فآوي إلى ركن في الدار منعزل ، فأبكي بكاءً مراً .
وتوالت علي الآلام فأورثتني مزاجاً خاصاً ، يختلف عن أمزجة الأطفال الذين كانوا في مثل سني ، فلم أكن أشاركهم في شيء من لعبهم ولهوهم ، بل أعتزلهم وأذهب ، فأجلس وحيداً ، أضع رأسي بين كفي ، واستغرق في تفكيري ، أحاول أن أجد حلاً لهذه المشكلات .. حتى يجذبني الخوري من كم قميصي ، لأذهب إلى الصلاة في الكنسية .
وولدت أمي مرة ، فلما بشرت أبي بأنها قد جاءت بصبي جميل ، لم يبتهج ولم تلح على شفتيه ابتسامة ، ولكنه قام بجر رجله حزيناً ملتاعاً ، فذهب إلى الخوري ، فدعاه ليعمد الطفل ، وأقبل يمشي وراءه ، وهو مطرق برأسه إلى الأرض ، وعلى وجهه علائم الحزن المبرح ، واليأس القاتل ، حتى جاء به إلى الدار ودخل به على أمي .. فرأيت وجهها يشحب شحوباً هائلاً ، وعينيها تشخصان ، ورأيتها تدفع إليه الطفل خائفة حذرة .. ثم تغمض عينيها ، فحرت في تعليل هذه المظاهر ، وازددت ألماً على ألمي .
حتى إذا كان ليلة عيد الفصح ، وكانت غرناطة غارقة في العصر والنور ، والحمراء تتلألأ بالمشاعل والأضواء ، والصلبان تومض على شرفاتها ومآذنها ، دعاني أبي في جوف الليل ، وأهل الدار كلهم نيام ، فقادني صامتاً إلى غرفته ، إلى حرمه المقدّس ، فخفق قلبي خفوقاً شديداً واضطربت ، لكني تماسكت وتجلدت ، فلما توسط بي الغرفة أحكم إغلاق الباب ، وراح يبحث عن السراج ، وبقيت واقفاً في الظلام لحظات كانت أطول عليّ من أعوام ، ثم أشغل سراجاً صغيراً كان هناك ، فتلفتّ حولي فرأيت الغرفة خالية ، ليس فيها شيء مما كنت أتوقع رؤيته من العجائب ، وما فيها إلا بساط وكتاب موضوع على رف ، وسيف معلق بالجدار ، فأجلسني على هذا البساط ، ولبث صامتاً ينظر إليّ نظرات غريبة اجتمعت علي ، هي ، ورهبة المكان ، وسكون الليل ، فشعرت كأني انفصلت عن الدنيا التي تركتها وراء هذا الباب ، وانتقلت إلى دنيا أخرى ، لا أستطيع وصف ما أحسست به منها .. ثم أخذ أبي يدي بيديه بحنو وعطف ، وقال لي بصوت خافت :
يا بني ، إنك الآن في العاشرة من عمرك ، وقد صرت رجلاً ، وإني سأطلعك على السر الذي طالما كتمته عنك ، فهل تستطيع أن تحتفظ به في صدرك ، وتحبسه عن أمك وأهلك وأصحابك والناس أجمعين ؟ إن إشارة منك واحدة إلى هذا السر تعرض جسم أبيك إلى عذاب الجلادين من رجال "ديوان التفتيش".
فلما سمعت اسم ديوان التفتيش ارتجفت من مفرق رأسي إلى أخمص قدمي ، وقد كنت صغيراً حقاً ، ولكني أعرف ما هو ديوان التفتيش ، وأرى ضحاياه كل يوم وأنا غاد إلى المدرسة ، ورائح منها . فمن رجال يصلبون أو يحرقون ، ومن نساء يعلقن من شعورهن حتى يمتن ، أو تبقر بطونهن ، فسكتُ ولم أجب .
فقال لي أبي : مالك لا تجيب ! أتستطيع أن تكتم ما سأقوله لك ؟
قلت : نعم
قال : تكتمه حتى عن أمك وأقرب الناس إليك ؟
قلت : نعم
قال : أقترب مني . أرهف سمعك جيداً ، فإني لا أقدر أن أرفع صوتي . أخشى أن تكون للحيطان آذان ، فتشي بي إلى ديوان التفتيش ، فيحرقني حياً .
فاقتربت منه وقلت له:
إني مصغ يا أبت.