نجدت لاطة
22-05-2006, 08:21 PM
النشيد الإسلامي
وعصر موسى مصطفى
( 5 )
نجدت لاطة
قد يتساءل البعض : ما الفائدة من إطلاق اللقب على المنشد أو على عصر المنشد ؟ فأقول : إن السيرة النبوية علمتنا أن نطلق الألقاب على من يستحق من الناس في العلوم أو الفنون التي يجيدونها ؟ وهناك أحاديث شريفة حدد الرسول صلى الله عليه وسلم فيها ألقاباً كثيرة للصحابة ، فقال مثلاً : أعلم الناس بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وأفرضهم زيد بن ثابت ، وأقرؤهم أبي بن كعب .. وقال عن أبي عبيدة بن الجراح بأنه أمين هذه الأمة ، وقال عن خالد بن الوليد بأنه سيف الله .. وهناك ألقاب كثيرة للصحابة أطلقها عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم .
ونتساءل مرة أخرى : ما الفائدة من إطلاق الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه الألقاب ؟ وهل كان عليه الصلاة والسلام يدغدغ عواطف الصحابة بهذه الألقاب ؟ وهل أطلقها عليهم عبثاً دون فائدة مرجوة منها ؟ طبعاً هناك فائدة مرجوة منها ، وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك عبثاً وهو المربي الحكيم والمعلم الأول . والإجابة عندي ـ والله أعلم ـ أن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد منها أن ينبّه المسلمين إلى أهمية أصحاب الألقاب ، ليتخذوهم قدوة وأئمة في حياتهم . وتعتبر هذه الألقاب ـ أيضاً ـ كالأوسمة العسكرية التي يأخذها الجنود الذين قدموا بطولات عظيمة في المعارك التي خاضوها ، فيأتي الوسام فيكون تقديراً للبطولات التي قدموها ، وتشجيعاً لهم لتقديم المزيد من البطولات ، ومن ثم يكون صاحب الوسام قدوة لبقية الجند . لأنه من غير المعقول ولا المقبول أن يُعامل الجندي الذي قدّم بطولات كبيرة كالجندي العادي ؟ وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعطي الفرسان الذين أبلوا بلاءً حسناً في المعارك أكثر من بقية الجند . فإنزال الناس منازلهم وإعطاؤهم المكانة التي يستحقونها شيء مهم في حياة الناس .
وفي العصر الحديث نجد ألقاباً كثيرة أُطلقت على الأدباء والشعراء أيضاً وليس على المطربين والممثلين فقط ، فمثلاً أُطلق لقب ( أمير الشعراء ) علـى الشـاعر أحمد شـوقي ، ولقب ( عميد الأدب العربي ) على الأديب طه حسين .. وهناك ألقاب كثيرة لا حصر لها في كل العصور .
فلماذا يُستثنى المنشدون من الألقاب ؟ وهل إذا نبّهت الجمهور لأهمية الألقاب أكون قد تجاوزت حدود النقد والتقييم ؟
بل أتساءل : لماذا لم نُطلق الألقاب على علمائنا ودعاتنا الكبار فـي هذا العصر ؟ فلماذا لم نُطلق على الشيخ يوسف القرضاوي لقباً يناسب مكانته العلمية والدعوية ؟ والأمر نفسه مع الشيخ محمد الغزالي مجدد الفكر الإسلامي ، والشيخ محمد متولي الشعراوي مفسر هذا العصر ، والشيخ عبد الحميد كشك أعظم خطباء هذا العصر ، ومن قبلهم الشهيد سيد قطب ، والأمر نفسه مع الأديب الإسلامي نجيب الكيلاني ، ومن قبله الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي الذي دافع عن الإسلام واللغة الفصحى أمام الهجمة الشرسة لدعاة التغريب ..
المشكلة أن دعاة العلمانية ومفكريها وأدباءها وشعراءها بالإضافة إلى المطربين والفنانين غير الملتزمين ينالون أعظم الألقاب ، ويُقدَّمون إلى الناس من خلال وسائل الإعلام والدعايات البراقة .. فيجتمع الناس عليهم . أما الإسلاميون فيُهمّشون ، وبالتالي يخسرهم الناس .
أعود إلى موسى مصطفى ولقبه ( منشد الشباب ) ..
قد يسألني أحد القرّاء معترضاً : أليس إطلاق اللقب على المنشد الفلاني قد يثير حفيظة بقية المنشدين ، أو قد يثير فيهم الغيرة أو ما أشبه ذلك ؟ بمعنى : لماذا نوجد الحساسيات بين المنشدين ؟ فأقول : إن إطلاق الألقاب شيء طبيعي في حياة الناس ، بل إن عدم إطلاق الألقاب هـو شيء غير طبيعي ، وهو ليس من سنن الحياة ، فلا بد من إطلاق الألقاب ، ولا بد من أن نعطي الناس المكانة التي يستحقونها ، وإذا كان بعض المنشدين يتحسسون من هذه الألقاب ، أو إذا كان أحدهم يشعر بالغيرة أو بالحسد .. فالذنب ذنبه ، والمنشد الذي يجد في نفسه الغيرة أو الحسد من صاحب اللقب أن يصحح نيّته ويتقي الله في نفسه . لأنه كما قلت إن إطلاق الألقاب شيء مهم في سياق الحياة ، والألقاب موجودة في كل العصور ، وما من فن أو علم إلا وقد أُطلقت فيه الألقاب على هذا أو ذاك . وأنا تعمّدت أن أذكر قضية الألقاب في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، حتى لا يظن أحد أنها بدعة من عندي ، لأن إطلاق الألقاب هو منهج نبوي تربوي ، وينبغي أن ينتهجه المسلمون في سياقات حياتهم .
والمشكلة الأخرى أن المنشدين وجمهورهم وجدوا أنفسهم في ساحة فنية لا علم لهم بأبجدياتها ، فلا يعرفون كيف ينبغي أن يعيش الفنان ، ولا يعرفون ما معنى احتراف حرفة الفن ، ولا يجيدون التعامل الأمثل مع الوسائل الإعلامية وقضايا الدعاية الفنية ، ولا يأبهون لقضايا التخطيط والتطوير والتنظير والتقييم لهذا الفن . وأنا أعذر المنشدين وجمهورهم إلى حدٍ ما ، لأن النشيد الإسـلامي ما زال في المراحل الأولى من انطلاقته ، وما زال لا يوجد عندنا كتّاب متخصصون بفن النشيد ، ولا يوجد إعلاميون كذلك ، ولا توجد معاهد فنية لتخريج الطلاب بشكل أكاديمي ، ولا توجد صحافة متخصصة بالفنون .. لا يوجد عندنا إلا منتديات إنشادية هي أشبه بحلبات المصارعة الأمريكية ، فتجد فيها مستويات متدنية من النقاشات ، وقد تبيّن لي بعد اطلاعي على هذه المنتديات أن معظمها هي ( لعب عيال ) ليس أكثر ، والمستويات الثقافية عند معظم روادها بسيطة وساذجة ، بالإضافة إلى أنهم لا يعرفون الأبجديات البسيطة للحوار والنقاش . بل إن الواحد منا ليزداد عجباً أن يرى أن المستويات الثقافية لمعظم المشرفين على المنتديات الإنشادية لا تختلف عن المستويات الثقافية عند روادها ، وكان الأصل أن يكون المشرفون على مستوى عالٍ من الثقافة ، وأن تكون لديهم خبرات صحفية وفنية ، بحيث يضفوا على المنتديات أجواء ثقافية وفنية ، فيشعر المرتاد للمنتديات أنه أمام منتديات فنية جادة ومحترمة ، وأنه أمام مشرفين لهم خبرة ودراية بالثقافة والفنون وقضايا الإعلام ..
على أية حال .. نحن ما زلنا في بداية انطلاقة النشيد الإسلامي ، ونتطلّع إلى جهود أكبر في الفنون الإسلامية ، ونتطلع إلى منتديات جادة أكثر ، بحيث تكون النقاشات والحوارات فيها على مستوى عالٍ من الثقافة والأدب واحترام الآخر .. والأمل كبير برابطة الفن الإسلامي العالمية ، والسرعة مطلوبة في نقل الآمال من أحلام في الخيال إلى واقع ملموس ، لأن الأمة تُمسخ بالفنون الهابطة ، لذا لا ينبغي أن ننتظر طويلاً .
وبهذا تنتهي سلسلة مقالات ( النشيد الإسلامي وعصر موسى مصطفى ) .. وستكون إن شاء الله المقالات القادمة ( وهي أيضاً سلسلة ) عن الفنان الكبير سامي يوسف بعنوان ( ظاهرة سامي يوسف ) باعتبار أن سامي يوسف يشكل ظاهرة كبيرة جداً في النشيد الإسلامي الحالي ، وسأبين أيضاً لماذا لم أجعله عنواناً لهذه المرحلة ، لأن البعض قال لي : لماذا لم تجعل هذا العصر هو عصر سامي يوسف ؟
وعصر موسى مصطفى
( 5 )
نجدت لاطة
قد يتساءل البعض : ما الفائدة من إطلاق اللقب على المنشد أو على عصر المنشد ؟ فأقول : إن السيرة النبوية علمتنا أن نطلق الألقاب على من يستحق من الناس في العلوم أو الفنون التي يجيدونها ؟ وهناك أحاديث شريفة حدد الرسول صلى الله عليه وسلم فيها ألقاباً كثيرة للصحابة ، فقال مثلاً : أعلم الناس بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وأفرضهم زيد بن ثابت ، وأقرؤهم أبي بن كعب .. وقال عن أبي عبيدة بن الجراح بأنه أمين هذه الأمة ، وقال عن خالد بن الوليد بأنه سيف الله .. وهناك ألقاب كثيرة للصحابة أطلقها عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم .
ونتساءل مرة أخرى : ما الفائدة من إطلاق الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه الألقاب ؟ وهل كان عليه الصلاة والسلام يدغدغ عواطف الصحابة بهذه الألقاب ؟ وهل أطلقها عليهم عبثاً دون فائدة مرجوة منها ؟ طبعاً هناك فائدة مرجوة منها ، وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك عبثاً وهو المربي الحكيم والمعلم الأول . والإجابة عندي ـ والله أعلم ـ أن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد منها أن ينبّه المسلمين إلى أهمية أصحاب الألقاب ، ليتخذوهم قدوة وأئمة في حياتهم . وتعتبر هذه الألقاب ـ أيضاً ـ كالأوسمة العسكرية التي يأخذها الجنود الذين قدموا بطولات عظيمة في المعارك التي خاضوها ، فيأتي الوسام فيكون تقديراً للبطولات التي قدموها ، وتشجيعاً لهم لتقديم المزيد من البطولات ، ومن ثم يكون صاحب الوسام قدوة لبقية الجند . لأنه من غير المعقول ولا المقبول أن يُعامل الجندي الذي قدّم بطولات كبيرة كالجندي العادي ؟ وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعطي الفرسان الذين أبلوا بلاءً حسناً في المعارك أكثر من بقية الجند . فإنزال الناس منازلهم وإعطاؤهم المكانة التي يستحقونها شيء مهم في حياة الناس .
وفي العصر الحديث نجد ألقاباً كثيرة أُطلقت على الأدباء والشعراء أيضاً وليس على المطربين والممثلين فقط ، فمثلاً أُطلق لقب ( أمير الشعراء ) علـى الشـاعر أحمد شـوقي ، ولقب ( عميد الأدب العربي ) على الأديب طه حسين .. وهناك ألقاب كثيرة لا حصر لها في كل العصور .
فلماذا يُستثنى المنشدون من الألقاب ؟ وهل إذا نبّهت الجمهور لأهمية الألقاب أكون قد تجاوزت حدود النقد والتقييم ؟
بل أتساءل : لماذا لم نُطلق الألقاب على علمائنا ودعاتنا الكبار فـي هذا العصر ؟ فلماذا لم نُطلق على الشيخ يوسف القرضاوي لقباً يناسب مكانته العلمية والدعوية ؟ والأمر نفسه مع الشيخ محمد الغزالي مجدد الفكر الإسلامي ، والشيخ محمد متولي الشعراوي مفسر هذا العصر ، والشيخ عبد الحميد كشك أعظم خطباء هذا العصر ، ومن قبلهم الشهيد سيد قطب ، والأمر نفسه مع الأديب الإسلامي نجيب الكيلاني ، ومن قبله الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي الذي دافع عن الإسلام واللغة الفصحى أمام الهجمة الشرسة لدعاة التغريب ..
المشكلة أن دعاة العلمانية ومفكريها وأدباءها وشعراءها بالإضافة إلى المطربين والفنانين غير الملتزمين ينالون أعظم الألقاب ، ويُقدَّمون إلى الناس من خلال وسائل الإعلام والدعايات البراقة .. فيجتمع الناس عليهم . أما الإسلاميون فيُهمّشون ، وبالتالي يخسرهم الناس .
أعود إلى موسى مصطفى ولقبه ( منشد الشباب ) ..
قد يسألني أحد القرّاء معترضاً : أليس إطلاق اللقب على المنشد الفلاني قد يثير حفيظة بقية المنشدين ، أو قد يثير فيهم الغيرة أو ما أشبه ذلك ؟ بمعنى : لماذا نوجد الحساسيات بين المنشدين ؟ فأقول : إن إطلاق الألقاب شيء طبيعي في حياة الناس ، بل إن عدم إطلاق الألقاب هـو شيء غير طبيعي ، وهو ليس من سنن الحياة ، فلا بد من إطلاق الألقاب ، ولا بد من أن نعطي الناس المكانة التي يستحقونها ، وإذا كان بعض المنشدين يتحسسون من هذه الألقاب ، أو إذا كان أحدهم يشعر بالغيرة أو بالحسد .. فالذنب ذنبه ، والمنشد الذي يجد في نفسه الغيرة أو الحسد من صاحب اللقب أن يصحح نيّته ويتقي الله في نفسه . لأنه كما قلت إن إطلاق الألقاب شيء مهم في سياق الحياة ، والألقاب موجودة في كل العصور ، وما من فن أو علم إلا وقد أُطلقت فيه الألقاب على هذا أو ذاك . وأنا تعمّدت أن أذكر قضية الألقاب في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، حتى لا يظن أحد أنها بدعة من عندي ، لأن إطلاق الألقاب هو منهج نبوي تربوي ، وينبغي أن ينتهجه المسلمون في سياقات حياتهم .
والمشكلة الأخرى أن المنشدين وجمهورهم وجدوا أنفسهم في ساحة فنية لا علم لهم بأبجدياتها ، فلا يعرفون كيف ينبغي أن يعيش الفنان ، ولا يعرفون ما معنى احتراف حرفة الفن ، ولا يجيدون التعامل الأمثل مع الوسائل الإعلامية وقضايا الدعاية الفنية ، ولا يأبهون لقضايا التخطيط والتطوير والتنظير والتقييم لهذا الفن . وأنا أعذر المنشدين وجمهورهم إلى حدٍ ما ، لأن النشيد الإسـلامي ما زال في المراحل الأولى من انطلاقته ، وما زال لا يوجد عندنا كتّاب متخصصون بفن النشيد ، ولا يوجد إعلاميون كذلك ، ولا توجد معاهد فنية لتخريج الطلاب بشكل أكاديمي ، ولا توجد صحافة متخصصة بالفنون .. لا يوجد عندنا إلا منتديات إنشادية هي أشبه بحلبات المصارعة الأمريكية ، فتجد فيها مستويات متدنية من النقاشات ، وقد تبيّن لي بعد اطلاعي على هذه المنتديات أن معظمها هي ( لعب عيال ) ليس أكثر ، والمستويات الثقافية عند معظم روادها بسيطة وساذجة ، بالإضافة إلى أنهم لا يعرفون الأبجديات البسيطة للحوار والنقاش . بل إن الواحد منا ليزداد عجباً أن يرى أن المستويات الثقافية لمعظم المشرفين على المنتديات الإنشادية لا تختلف عن المستويات الثقافية عند روادها ، وكان الأصل أن يكون المشرفون على مستوى عالٍ من الثقافة ، وأن تكون لديهم خبرات صحفية وفنية ، بحيث يضفوا على المنتديات أجواء ثقافية وفنية ، فيشعر المرتاد للمنتديات أنه أمام منتديات فنية جادة ومحترمة ، وأنه أمام مشرفين لهم خبرة ودراية بالثقافة والفنون وقضايا الإعلام ..
على أية حال .. نحن ما زلنا في بداية انطلاقة النشيد الإسلامي ، ونتطلّع إلى جهود أكبر في الفنون الإسلامية ، ونتطلع إلى منتديات جادة أكثر ، بحيث تكون النقاشات والحوارات فيها على مستوى عالٍ من الثقافة والأدب واحترام الآخر .. والأمل كبير برابطة الفن الإسلامي العالمية ، والسرعة مطلوبة في نقل الآمال من أحلام في الخيال إلى واقع ملموس ، لأن الأمة تُمسخ بالفنون الهابطة ، لذا لا ينبغي أن ننتظر طويلاً .
وبهذا تنتهي سلسلة مقالات ( النشيد الإسلامي وعصر موسى مصطفى ) .. وستكون إن شاء الله المقالات القادمة ( وهي أيضاً سلسلة ) عن الفنان الكبير سامي يوسف بعنوان ( ظاهرة سامي يوسف ) باعتبار أن سامي يوسف يشكل ظاهرة كبيرة جداً في النشيد الإسلامي الحالي ، وسأبين أيضاً لماذا لم أجعله عنواناً لهذه المرحلة ، لأن البعض قال لي : لماذا لم تجعل هذا العصر هو عصر سامي يوسف ؟