نجدت لاطة
11-02-2007, 06:51 PM
قضية الأناشيد العاطفية
وألبوم ( أحبيني ) لموسى مصطفى
( 1 )
نجدت لاطة
najdat1961@hotmail.com
ألبوم ( أحبيني ) لمنشد الشباب موسى مصطفى أحدث ضجة غير طبيعية في ساحة النشيد الإسلامي ، ولا غرابة عن موسى مصطفى ذلك ، فكل ما يأتي به يُحدث ضجة هنا وهناك ، وهو بحق أبو ( الضجّات الفنية ) إن صح التعبير . والنشيد الإسلامي بحاجة ماسة إلى مثل هذه الضجّات الفنية ، لأنه لم يستوِ على سوقه بعد ، وما تزال هناك مراحل مهمة لا بد أن يتخطّاها النشيد حتى يكتمل وينضج وينافس الآخرين ..
وقد تساءل الكل : هل يجوز للمنشد الملتزم بتعاليم الإسلام أن ينشد الأناشيد العاطفية ؟ هل يجوز للمنشد أن يقول ( أحبيني فحبك كل همي ) أو حين يقول ( على زنود مليانة دفى ياما اشتهيت النوم ) وغيرها من معاني الحب والغرام ؟ وما الفرق ـ إذاً ـ بين المنشد والمطرب ؟ هذه الأسئلة تحتاج إلى كتابة تمهيدٍ له علاقة قوية بموضوعنا ، ثم كتابة شرح مفصل عن الأناشيد العاطفية . ولا بد من التنويه على أن مقصدنا في النشيد الإسلامي هو الله تعالى أولاً وآخراً ، ومقصدنا الثاني تقديم نشيدٍ إسلامي إلى الجماهير العريضة ، وليس إلى الفئات الملتزمة فقط ، كبديل عن الغناء الهابط والمبتذل الذي شاع وانتشر بين الناس ، وكل ذلك من خلال الإنشـاد وفق حدود تعاليم شرعنا الحنيف .
والفئات الملتزمة ـ عموماً ـ ما تزال لا تتقبّل قضايا الحب والغرام في الإنشاد ، بل ولا تتقبّله في الفنون الأخرى أيضاً كالسينما والمسرح والشعر .. والمتتبع لمجلة الأدب الإسلامي ـ مثلاً ـ لا يجد قصائد غزلية ولا قصصاً عاطفية ، مع أن هناك أحاديث شريفة متواترة وصحيحة تُثبت أن شعراء الصحابة كانوا يقولون الشعر الغزلي ، وقصيدة ( بانت سعاد ) أشهر من أن تُذكر ، وقد كان الصحابة يروون الشعر الغزلي أيضاً دون أدنى حساسية كالتي عند الفئات الملزمة اليوم .
ولعل غرابة عصرنا الحديث وبُعده وبُعد الناس عن دين الله بشكل لا مثيل له في تاريخ المسلمين شكّل تصوّرات خاطئة عن الإسلام ، فكان لا بد لي من توضيح أمور كثيرة وأنا أتحدث عن قضايا الحب الغرام في النشيد الإسلامي .
تمهيـد :
الإمام حسن البنا والفن ( 1 ) :
في عام 1934 انتبه الإمام حسن البنا رحمه الله إلى بروز ظاهرة جديدة في المجتمع المصري استقطبت شرائحه المختلفة بشكل قوي ، وانجذب الناس إليها وتعلقوا بها ، هذه الظاهرة هي ظاهرة المسرح ومن ثم السينما والأفلام .
فالمجتمع المصري ذُهل واندهش من هذا اللون الجديد في الفن ، ورأى فيه متعة شديدة ، لأن المجتمع المصري اعتاد على حضور الأمسيات الشعرية والسهرات الغنائية فقط ، وهما ليس فيهما المتعة كالتي فـي المسـرحية أو في الفيلم ، فكان للمسرح وللسينما وقع السحر على نفوس الناس .
وانتبه الإمام حسن البنا أيضاً إلى أن هذه الظاهرة الجديدة في أيدي غير المتدينين ، وهذا يعني أن هؤلاء سيوجّهونها كيفما شاؤوا . وبما أن قصص الحب والغرام هي أكثر إغراءً للإنسان بشكل عام فإن أكثر المسرحيات والأفلام كانت ذات صبغة عاطفية منفلتة من تعاليم الدين والأخلاق .
فالإمام حسن البنا رأى نفسه أمام مشكلة دعوية كبيرة جداً ، رأى أنه لن يستطيع لفت الأنظار إليه وإلى دعوته أمام هذا الزحف الجارف من المسرحيات والأفلام . لأن أسلوب الإمام البنا كان متمثلاً في الوعظ والإرشاد في المقاهي والمساجد والتجمعات العامة ، وهذا الأسلوب عادي جداً ليس فيه المتعة والتشويق كالتي في المسرحيات والأفلام . لذا قرر الإمام البنا خوض تجربة المسرح في العمل الدعوي عن طريق المسرحيات الهادفة التي تبث القيم والأخلاق في أحداثها ومجريات حواراتها .
فطلب الإمام حسن البنا من أخيه عبد الرحمن البنا أن ينشئ المسرح الإخواني ، أي مسرح الإخوان المسلمين .. وبالفعل أُنشئ المسرح الإخواني ، وكان عبد الرحمن البنا أديباً ، فتولى كتابة السيناريوهات للمسرحيات . ولكي ينجح المسرح الإخواني ويجذب الناس إليه كان لا بد من طرق نفس الموضوعات التي تطرقها المسرحيات الموجودة في الساحة الفنية ، أي لا بد من جذب ولفت أنظار الناس إلـى المسرحية الإخوانية الأولى ، فاختار عبد الرحمـن البنا موضوعاً عاطفياً لمسـرحيته الأولى وهي مسرحية ( جميل بثينة ) التي هي ـ كما هو معروف ـ تحكي قصة الشاعر العذري جميل بن معمر الذي أحب حبيبته بثينة . وقد استطاع عبد الرحمن البنا أن يتخلّص من مظاهر العري والسفور عند الممثلات في المسرحية ، وذلك لأن هؤلاء الممثلات ظهرن بلباس المرأة العربية في القديم وهو ـ كما هو معروف ـ لباس محتشم ، أي ظهرت شخصية بثينة محتشمة وتتكلم بكل ما للمرأة العربية من حياء دون أي تبذل أو إسفاف .
فعبد الرحمن البنا كان ذكياً في الدعوة ، فقد رأى ـ وبالتشاور مع أخيه حسن البنا ـ أنه من غير المعقول أن يبدأ مسرحه الإخواني بموضوع جاد بعيد عن الموضوعات التي تتناولها المسرحيات في تلك الفترة ، وبما أن تلك المسرحيات كانت تطرح الموضوعات العاطفية بشكل مبتذل وبعيد عن المفاهيم الإسلامية فقد رأى أن يخاطب الناس على قدر عقولهم في تلك الفترة ، وأن يُسايرهم في واقعهم ، ولكن لا بد أن تكون المسرحية لها مسحة إسلامية ، فأتى بموضوع عاطفي يمكن أن يطرح من خلاله التصوّر الإسلامي للحب والغرام ، واختار لذلك شخصية جميل بثينة صاحب الحب العذري العفيف .
فعبد الرحمن البنا لم يتجاوز واقع الناس ، ولم يأخذ بأيديهم من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين من المرة الأولى كما يفعل الدعاة الإسلاميون في هذا الزمن ، وكما يفعل المنشدون في عصرنا البائس ، وإنما أراد أن ينتشلهم من واقعهم المزري خطوة خطوة ، وهذا المنهج في الدعوة هو المنهج القرآني في التدرج في مخاطبة الناس .
وبعد ذلك أصبح المسرح الإخواني يطرق الموضوعات الجادة ، فتم تأليف مسرحية ( عبد الرحمن الداخل ) التي قُدم من خلالها نموذج الإنسان المكافح الذي أعاد ملك آبائه المسلوب ، وكأن ـ هذه المسرحية ـ تقول للشعب المصري أنه يمكن لنا أن نعيد مجد الآباء ونزيح المستعمر البريطاني عن مصر .
وتوالت المسرحيات الإخوانية الأخرى ، فتمّ تقديم مسرحية ( صلاح الدين الأيوبي ) والتي لامست الواقع العربي الذي كان يرى قضية فلسطين تُطبخ في أروقة الدول الاستعمارية .
فأسلوب التدرج الذي اتبعه المسرح الإخواني في مخاطبة الجمهور والانفتاح عليهم نجح نجاحاً كبيراً ، ولقي قبولاً واسعاً من الناس . ولم يقتصر هذا القبول على الجمهور فحسب وإنما شمل الفنانين المشهورين في ذلك الوقت ، فقد كان عبد الرحمن البنا يعرض بطولات مسرحياته على هؤلاء الفنانين كالممثل الكبير أنور وجدي وفاطمة رشدي وحسين صدقي ، بالإضافة إلى الممثلين الشبان كالممثل عبد المنعم مدبولي وعمر الشريف ومحمود المليجي وأمينة رزق وسعد أردش وعبد الله غيث وحمدي غيث وغيرهم . ومن الجدير بالذكر أن الشيخ المشهور صلاح أبو إسماعيل والمفكر الإسلامي فهمي هويدي كانا ضمن الفرق الإخوانية للتمثيل آنذاك . وقد كانت المسرحيات الإخوانية تُعرض في أكبر المسارح في القاهرة والمدن المصرية الأخرى كدار الأوبرا ذات الصيت الكبير وغيرها ، فكان يُكتب على بوابة دار الأوبرا هـذه اللافتة ( الإخوان المسلمون يقدمون مسـرحية ( عبد الرحمن الداخل ) بطولة كذا وكذا من الممثلين المشهورين آنذاك ) .
وكذلك لم يقتصر قبول المسرح الإخواني على الجمهور والفنانين فقط وإنما تعدى إلى الحكومة أيضاً ، فقد تكفّلت وزارة المعارف المصرية بإنتاج إحدى المسرحيات الإخوانية على حسابها الخاص .
فالذي أريد أن أقوله أن الفن الإسلامي في عصر الإمام حسن البنا استطاع أن يبني جسوراً مع كافة شرائح الناس ، شعباً وفنانين وحكومة ، وبالتالي استطاع أن يوصل رسالته الهادفة إليهم . وحين فاز الإخوان المسلمون في انتخابات البرلمان المصري سنة 2005 وحدث لغط كبير عن موقف الإخوان من الفنون قال الممثل العالمي عمر الشريف لوسائل الإعلام : لا يوجد خوف من الإخوان على الفنون لأنه يعرفهم منذ القديم وهم ليسوا ضد الفن .
نتابع في الجزء الثاني إن شاء الله عن نشأة النشيد الإسلامي وكيف أنه نشأ نشأة غير طبيعية وغير صحيحة ، بحيث كان لهذه النشأة الأثر السلبي على العمل الإسلامي ، وعلى عدم تقبّل كافة شرائح المجتمع للنشيد الإسلامي ...
وألبوم ( أحبيني ) لموسى مصطفى
( 1 )
نجدت لاطة
najdat1961@hotmail.com
ألبوم ( أحبيني ) لمنشد الشباب موسى مصطفى أحدث ضجة غير طبيعية في ساحة النشيد الإسلامي ، ولا غرابة عن موسى مصطفى ذلك ، فكل ما يأتي به يُحدث ضجة هنا وهناك ، وهو بحق أبو ( الضجّات الفنية ) إن صح التعبير . والنشيد الإسلامي بحاجة ماسة إلى مثل هذه الضجّات الفنية ، لأنه لم يستوِ على سوقه بعد ، وما تزال هناك مراحل مهمة لا بد أن يتخطّاها النشيد حتى يكتمل وينضج وينافس الآخرين ..
وقد تساءل الكل : هل يجوز للمنشد الملتزم بتعاليم الإسلام أن ينشد الأناشيد العاطفية ؟ هل يجوز للمنشد أن يقول ( أحبيني فحبك كل همي ) أو حين يقول ( على زنود مليانة دفى ياما اشتهيت النوم ) وغيرها من معاني الحب والغرام ؟ وما الفرق ـ إذاً ـ بين المنشد والمطرب ؟ هذه الأسئلة تحتاج إلى كتابة تمهيدٍ له علاقة قوية بموضوعنا ، ثم كتابة شرح مفصل عن الأناشيد العاطفية . ولا بد من التنويه على أن مقصدنا في النشيد الإسلامي هو الله تعالى أولاً وآخراً ، ومقصدنا الثاني تقديم نشيدٍ إسلامي إلى الجماهير العريضة ، وليس إلى الفئات الملتزمة فقط ، كبديل عن الغناء الهابط والمبتذل الذي شاع وانتشر بين الناس ، وكل ذلك من خلال الإنشـاد وفق حدود تعاليم شرعنا الحنيف .
والفئات الملتزمة ـ عموماً ـ ما تزال لا تتقبّل قضايا الحب والغرام في الإنشاد ، بل ولا تتقبّله في الفنون الأخرى أيضاً كالسينما والمسرح والشعر .. والمتتبع لمجلة الأدب الإسلامي ـ مثلاً ـ لا يجد قصائد غزلية ولا قصصاً عاطفية ، مع أن هناك أحاديث شريفة متواترة وصحيحة تُثبت أن شعراء الصحابة كانوا يقولون الشعر الغزلي ، وقصيدة ( بانت سعاد ) أشهر من أن تُذكر ، وقد كان الصحابة يروون الشعر الغزلي أيضاً دون أدنى حساسية كالتي عند الفئات الملزمة اليوم .
ولعل غرابة عصرنا الحديث وبُعده وبُعد الناس عن دين الله بشكل لا مثيل له في تاريخ المسلمين شكّل تصوّرات خاطئة عن الإسلام ، فكان لا بد لي من توضيح أمور كثيرة وأنا أتحدث عن قضايا الحب الغرام في النشيد الإسلامي .
تمهيـد :
الإمام حسن البنا والفن ( 1 ) :
في عام 1934 انتبه الإمام حسن البنا رحمه الله إلى بروز ظاهرة جديدة في المجتمع المصري استقطبت شرائحه المختلفة بشكل قوي ، وانجذب الناس إليها وتعلقوا بها ، هذه الظاهرة هي ظاهرة المسرح ومن ثم السينما والأفلام .
فالمجتمع المصري ذُهل واندهش من هذا اللون الجديد في الفن ، ورأى فيه متعة شديدة ، لأن المجتمع المصري اعتاد على حضور الأمسيات الشعرية والسهرات الغنائية فقط ، وهما ليس فيهما المتعة كالتي فـي المسـرحية أو في الفيلم ، فكان للمسرح وللسينما وقع السحر على نفوس الناس .
وانتبه الإمام حسن البنا أيضاً إلى أن هذه الظاهرة الجديدة في أيدي غير المتدينين ، وهذا يعني أن هؤلاء سيوجّهونها كيفما شاؤوا . وبما أن قصص الحب والغرام هي أكثر إغراءً للإنسان بشكل عام فإن أكثر المسرحيات والأفلام كانت ذات صبغة عاطفية منفلتة من تعاليم الدين والأخلاق .
فالإمام حسن البنا رأى نفسه أمام مشكلة دعوية كبيرة جداً ، رأى أنه لن يستطيع لفت الأنظار إليه وإلى دعوته أمام هذا الزحف الجارف من المسرحيات والأفلام . لأن أسلوب الإمام البنا كان متمثلاً في الوعظ والإرشاد في المقاهي والمساجد والتجمعات العامة ، وهذا الأسلوب عادي جداً ليس فيه المتعة والتشويق كالتي في المسرحيات والأفلام . لذا قرر الإمام البنا خوض تجربة المسرح في العمل الدعوي عن طريق المسرحيات الهادفة التي تبث القيم والأخلاق في أحداثها ومجريات حواراتها .
فطلب الإمام حسن البنا من أخيه عبد الرحمن البنا أن ينشئ المسرح الإخواني ، أي مسرح الإخوان المسلمين .. وبالفعل أُنشئ المسرح الإخواني ، وكان عبد الرحمن البنا أديباً ، فتولى كتابة السيناريوهات للمسرحيات . ولكي ينجح المسرح الإخواني ويجذب الناس إليه كان لا بد من طرق نفس الموضوعات التي تطرقها المسرحيات الموجودة في الساحة الفنية ، أي لا بد من جذب ولفت أنظار الناس إلـى المسرحية الإخوانية الأولى ، فاختار عبد الرحمـن البنا موضوعاً عاطفياً لمسـرحيته الأولى وهي مسرحية ( جميل بثينة ) التي هي ـ كما هو معروف ـ تحكي قصة الشاعر العذري جميل بن معمر الذي أحب حبيبته بثينة . وقد استطاع عبد الرحمن البنا أن يتخلّص من مظاهر العري والسفور عند الممثلات في المسرحية ، وذلك لأن هؤلاء الممثلات ظهرن بلباس المرأة العربية في القديم وهو ـ كما هو معروف ـ لباس محتشم ، أي ظهرت شخصية بثينة محتشمة وتتكلم بكل ما للمرأة العربية من حياء دون أي تبذل أو إسفاف .
فعبد الرحمن البنا كان ذكياً في الدعوة ، فقد رأى ـ وبالتشاور مع أخيه حسن البنا ـ أنه من غير المعقول أن يبدأ مسرحه الإخواني بموضوع جاد بعيد عن الموضوعات التي تتناولها المسرحيات في تلك الفترة ، وبما أن تلك المسرحيات كانت تطرح الموضوعات العاطفية بشكل مبتذل وبعيد عن المفاهيم الإسلامية فقد رأى أن يخاطب الناس على قدر عقولهم في تلك الفترة ، وأن يُسايرهم في واقعهم ، ولكن لا بد أن تكون المسرحية لها مسحة إسلامية ، فأتى بموضوع عاطفي يمكن أن يطرح من خلاله التصوّر الإسلامي للحب والغرام ، واختار لذلك شخصية جميل بثينة صاحب الحب العذري العفيف .
فعبد الرحمن البنا لم يتجاوز واقع الناس ، ولم يأخذ بأيديهم من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين من المرة الأولى كما يفعل الدعاة الإسلاميون في هذا الزمن ، وكما يفعل المنشدون في عصرنا البائس ، وإنما أراد أن ينتشلهم من واقعهم المزري خطوة خطوة ، وهذا المنهج في الدعوة هو المنهج القرآني في التدرج في مخاطبة الناس .
وبعد ذلك أصبح المسرح الإخواني يطرق الموضوعات الجادة ، فتم تأليف مسرحية ( عبد الرحمن الداخل ) التي قُدم من خلالها نموذج الإنسان المكافح الذي أعاد ملك آبائه المسلوب ، وكأن ـ هذه المسرحية ـ تقول للشعب المصري أنه يمكن لنا أن نعيد مجد الآباء ونزيح المستعمر البريطاني عن مصر .
وتوالت المسرحيات الإخوانية الأخرى ، فتمّ تقديم مسرحية ( صلاح الدين الأيوبي ) والتي لامست الواقع العربي الذي كان يرى قضية فلسطين تُطبخ في أروقة الدول الاستعمارية .
فأسلوب التدرج الذي اتبعه المسرح الإخواني في مخاطبة الجمهور والانفتاح عليهم نجح نجاحاً كبيراً ، ولقي قبولاً واسعاً من الناس . ولم يقتصر هذا القبول على الجمهور فحسب وإنما شمل الفنانين المشهورين في ذلك الوقت ، فقد كان عبد الرحمن البنا يعرض بطولات مسرحياته على هؤلاء الفنانين كالممثل الكبير أنور وجدي وفاطمة رشدي وحسين صدقي ، بالإضافة إلى الممثلين الشبان كالممثل عبد المنعم مدبولي وعمر الشريف ومحمود المليجي وأمينة رزق وسعد أردش وعبد الله غيث وحمدي غيث وغيرهم . ومن الجدير بالذكر أن الشيخ المشهور صلاح أبو إسماعيل والمفكر الإسلامي فهمي هويدي كانا ضمن الفرق الإخوانية للتمثيل آنذاك . وقد كانت المسرحيات الإخوانية تُعرض في أكبر المسارح في القاهرة والمدن المصرية الأخرى كدار الأوبرا ذات الصيت الكبير وغيرها ، فكان يُكتب على بوابة دار الأوبرا هـذه اللافتة ( الإخوان المسلمون يقدمون مسـرحية ( عبد الرحمن الداخل ) بطولة كذا وكذا من الممثلين المشهورين آنذاك ) .
وكذلك لم يقتصر قبول المسرح الإخواني على الجمهور والفنانين فقط وإنما تعدى إلى الحكومة أيضاً ، فقد تكفّلت وزارة المعارف المصرية بإنتاج إحدى المسرحيات الإخوانية على حسابها الخاص .
فالذي أريد أن أقوله أن الفن الإسلامي في عصر الإمام حسن البنا استطاع أن يبني جسوراً مع كافة شرائح الناس ، شعباً وفنانين وحكومة ، وبالتالي استطاع أن يوصل رسالته الهادفة إليهم . وحين فاز الإخوان المسلمون في انتخابات البرلمان المصري سنة 2005 وحدث لغط كبير عن موقف الإخوان من الفنون قال الممثل العالمي عمر الشريف لوسائل الإعلام : لا يوجد خوف من الإخوان على الفنون لأنه يعرفهم منذ القديم وهم ليسوا ضد الفن .
نتابع في الجزء الثاني إن شاء الله عن نشأة النشيد الإسلامي وكيف أنه نشأ نشأة غير طبيعية وغير صحيحة ، بحيث كان لهذه النشأة الأثر السلبي على العمل الإسلامي ، وعلى عدم تقبّل كافة شرائح المجتمع للنشيد الإسلامي ...