mou7ib
07-04-2007, 02:09 AM
قبسات حول عالم الفن والإبداع
(الحلقة الأولى)
ذ. رضوان رشدي
1. الإقرار بوجود عالم …
إن ما يروج داخل ذات الإنسان من إرادات وهمم وأحاسيس متنوعة، ومشاعر متناقضة، ليُنبئ عن لمحات أولية لعالم دفين غير مرتبط بظواهر الأشياء… عالمٍ غريب لايُسْتَكنه بوسائل مادية، أو يُطَّلَع إلى أغواره بيسر، لاسيما وأن ذاك العالم مرتبط بالتنوع والتباين لانفراط الرابط بين الشخصيات واختلاف الأنفس...
إنه عالم الفن … عالم الجمال، ودقائق النفس، وتنوع الأحاسيس وتصارعها، واستشعار اللذائذ الروحية، ولا يتجلى هذا الزخم الفائض، أوتلاطم أمواج ذاك البحر اللجي إلا عند التعبير عنه بوسائل مادية في واقع الحياة، سواء أكان التعبير شعرا أو ترنما أو رسما أو حكيا …
وقد عبر القدماء عما نحن فيه بالطبيعة النفسية للفرد كقول التوحيدي:
"إن الطبيعة مرتبتها دون مرتبة النفس، فالموسيقار إذا صادف طبيعة قابلة، ومادة مستجيبة، وقريحة مواتية، وآلة منقادة، أفرغ عليها بتأييد العقل والنفس لبوسا مؤنقا، وتأليفا معجبا، وأعطاها صورة معشوقة، وحرية مرموقة، وقُوته في ذلك تكون بمواصلة النفس الناطقة."(1)
وكثير ممن لهم وصال وثيق بعالم الفن عند رؤيتهم لما يُرتبط به تعبيرا أو إظهارا بوسائل متعددة يعتريهم ذهول، ويكتنفهم انبهار دال أن هذا الموجود الظاهري منتم لإشراقات الروح، ومنسلك في علق الفن …
والحقيقة أن في كل عمل فني إيحاءً ما إلى عالم لا ننتمي إليه، ولم نخرج منه، وإنما طرحنا فيه طرحا، والفن ذكريات أو توق إلى ماض سحيق … إلى ذلك العالم الآخر.
فالفن تعبير عن ذات الإنسان، بل هو تعبير عن ذات الفنان وما يختلج في صدره من شعور بالجمال، وعشق للسمو، وحب للحرية والقيم النبيلة، مع صفاء للفطرة ونقائها …
بيد أن الذي انحصر في المادة والكميات والظواهر المرئية، فقد تُضَبَّب رؤيته لذاك العالم وتنطمس رهافة حسه، فيُنْكِرُ وجودَه … لكن وجود عالم آخر إلى جانب عالم الطبيعة إنما هو المصدر الأساسي لكل دين وفن، وإذا لم يكن هنالك سوى عالم واحد لكان الفن مستحيلا…
"فإذا كان الإنسان حقا مصنوعا على طراز داروين، وإذا لم يكن يوجد على الإطلاق سند للإنسان، ولا مجال لروحه ولذاته، فإن الفن لا مجال له، وإن الشعراء وكتاب التراجيديا يضللوننا ويكتبون هراء لا معنى له"(2).
-----------------
الهوامش:
(1) أبو حيان التوحيدي: الإمتاع والمؤانسة ص 56.
(2) رئيس البوسنة والهرسك علي عزت بيجوفيتش في "الإسلام بين الشرق والغرب" ص 137.
(الحلقة الأولى)
ذ. رضوان رشدي
1. الإقرار بوجود عالم …
إن ما يروج داخل ذات الإنسان من إرادات وهمم وأحاسيس متنوعة، ومشاعر متناقضة، ليُنبئ عن لمحات أولية لعالم دفين غير مرتبط بظواهر الأشياء… عالمٍ غريب لايُسْتَكنه بوسائل مادية، أو يُطَّلَع إلى أغواره بيسر، لاسيما وأن ذاك العالم مرتبط بالتنوع والتباين لانفراط الرابط بين الشخصيات واختلاف الأنفس...
إنه عالم الفن … عالم الجمال، ودقائق النفس، وتنوع الأحاسيس وتصارعها، واستشعار اللذائذ الروحية، ولا يتجلى هذا الزخم الفائض، أوتلاطم أمواج ذاك البحر اللجي إلا عند التعبير عنه بوسائل مادية في واقع الحياة، سواء أكان التعبير شعرا أو ترنما أو رسما أو حكيا …
وقد عبر القدماء عما نحن فيه بالطبيعة النفسية للفرد كقول التوحيدي:
"إن الطبيعة مرتبتها دون مرتبة النفس، فالموسيقار إذا صادف طبيعة قابلة، ومادة مستجيبة، وقريحة مواتية، وآلة منقادة، أفرغ عليها بتأييد العقل والنفس لبوسا مؤنقا، وتأليفا معجبا، وأعطاها صورة معشوقة، وحرية مرموقة، وقُوته في ذلك تكون بمواصلة النفس الناطقة."(1)
وكثير ممن لهم وصال وثيق بعالم الفن عند رؤيتهم لما يُرتبط به تعبيرا أو إظهارا بوسائل متعددة يعتريهم ذهول، ويكتنفهم انبهار دال أن هذا الموجود الظاهري منتم لإشراقات الروح، ومنسلك في علق الفن …
والحقيقة أن في كل عمل فني إيحاءً ما إلى عالم لا ننتمي إليه، ولم نخرج منه، وإنما طرحنا فيه طرحا، والفن ذكريات أو توق إلى ماض سحيق … إلى ذلك العالم الآخر.
فالفن تعبير عن ذات الإنسان، بل هو تعبير عن ذات الفنان وما يختلج في صدره من شعور بالجمال، وعشق للسمو، وحب للحرية والقيم النبيلة، مع صفاء للفطرة ونقائها …
بيد أن الذي انحصر في المادة والكميات والظواهر المرئية، فقد تُضَبَّب رؤيته لذاك العالم وتنطمس رهافة حسه، فيُنْكِرُ وجودَه … لكن وجود عالم آخر إلى جانب عالم الطبيعة إنما هو المصدر الأساسي لكل دين وفن، وإذا لم يكن هنالك سوى عالم واحد لكان الفن مستحيلا…
"فإذا كان الإنسان حقا مصنوعا على طراز داروين، وإذا لم يكن يوجد على الإطلاق سند للإنسان، ولا مجال لروحه ولذاته، فإن الفن لا مجال له، وإن الشعراء وكتاب التراجيديا يضللوننا ويكتبون هراء لا معنى له"(2).
-----------------
الهوامش:
(1) أبو حيان التوحيدي: الإمتاع والمؤانسة ص 56.
(2) رئيس البوسنة والهرسك علي عزت بيجوفيتش في "الإسلام بين الشرق والغرب" ص 137.