المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مؤججات الإبداع(2)


mou7ib
16-06-2007, 06:04 PM
قبسات حول عالم الفن والإبداع
(الحلقة الثامنة)
ذ. رضوان رشدي


مؤججات الإبداع(2)

التجربة المتراكمة ممهرة للفعل الإبداعي
إن كثيرا مما نتعلمه في البدايات غالبا ما يكون مرده إلى تقليد التجارب الكاملة ومحاكاتها، وهذه المحاكاة لازمة لمن أراد أن يشق طريق الإبداع، لأن الفوران النفسي الداخلي لن ينبثق إلا بمعرفة القناة المتميزة التي ستظهره مقبولا مثيرا وجميلا، ومن تم فلا حرج عند الفنان من محاكاة النماذج المتميزة وصولا للمرآة الصافية التي تعكس بحق وجدانه ومشاعره وذاته، شرط الاحتفاظ الرصين بالفردانية والنقش الذاتي له.
ومسألة المحاكاة ليست متيسرة، لأن القدرة عليها تعني أن "صيغة إدراكية" معينة استطاعت أن تنفذ إلى السيطرة على نمط معين من فعل النموذج المتشبه به، وهنا تطرح مسألة التداخل المنطقي بين الفكر والوجدان في عالم الفن، إذ أن سير كليهما بتوازن وعقلانية ضرورة من ضرورات النجاح الفني، والاقتصار على بعضهما ثلمة في الصرح الإبداعي.
وهكذا فإن المحاكاة هي قناة التدريب الأولى،ولا تنتهي بانتهاء المواقف التي لا يكون ثمة موقف يراد محاكاته بفعل، لأن الفنان قد يلجأ إلى ذخيرته السابقة وتجاربه المتراكمة وصيغه الإدراكية القريبة من الفعل المراد إنجازه ليصل للإنجاز القويم للفعل الفني.
ولا ننس بأن أرباب الفن الذين يحدثوننا عن إلهاماتهم الخاطفة غالبا ما يغفلون ذكر أبحاثهم السابقة، ومحاولاتهم العديدة الأولى، وكل ما قاموا به من القراءات والمشاهدات والتأملات التي تدور حول المشكلة التي تشغل ذهنهم، وربما يتناسون الإشارة إلى هذه المحاولات الشاقة لكي يرفعوا من قدرهم، أوحرصا منهم على ألا يطلعوا العامة على الوسائل المتواضعة التي لجؤوا إليها من قبل في إخراج المعاني والأفكار في زيها النهائي.

كسر طوق الاعتياد أساس الإبداع

كثيرا ما نجد المبدع خارقا لعوائد الناس وما ألفوه من أعراف، لأن الإبداع كما أشرت سابقا غير منضبط مع العادة الظاهرية المألوفة في الواقع، بل إنه غير متوافق كليا مع العالم البراني وزخم الكميات… لاسيما وأنه نابع من أجواء الصدق الحقيقي للإنسان ووجدانه الدفين، ومن تم فإن المبدع الذي ولج عالم الفن الصافي هو من تخلص بقدر الإمكان من قيود العادة وأصفاد الإلف.
وهذا التعالي عن عالم الأشياء وجدانيا زاد كبير للإنسانية في تطور وارتقاء معارفها وأحوالها، فالذي اعتقد جازما أن نظرية من النظريات العلمية بمكوناتها المضبوطة منطقيا هي أرقى ما وصل إليه الإنسان في العلم، وظن بأنه من المستحيل إزاحة هذه النظرية أو التشكيك فيها، غالبا ما سيلبس مَسوح الإستعباد والاسترقاق لها، بل إنه سيضفي عليها طلاء التقديس ويعارض انتقادها … مِثل هذا لن يساهم في تطور الإنسانية، وسيعيش حبيس جدران القديم، أما الفنان الذي يعيش طلاقة وحرية وتعاليا على المعروف آنا، فإن يد إبداعه ستسعى للتطوير، وستولد الجديد بتلك الحرية الموهوبة للإنسان باعتباره سيد الوجود المكرم عن باقي الكائنات، ومن تم فالأصل هو أن يملك الإنسان الأشياء لا أن تملكه ويستعبدها ولا تستعبده … والمتأمل في سير العظماء الذين أحدثوا تغييرا جوهريا في الحياة، وجدهم غير عابئين بالركود والجمود، وما ألفه الناس من عوائد وأعراف وبذلك كانوا أمل الانطلاق رموز التغيير وحُداة البناء.

الاستغراق والتفرد والاختفاء مؤججات أساسية للفعل الإبداعي

من المعلوم جليا أن الإبداع متعلق بذات المبدع لوحده، لأنه باطنه الفردي وذاته الشخصية ومن تم فأداء أي عمل فني يستلزم منه استغراقا وتفردا، لاسيما وأن طريقته في الأداء الفني لن يشاركه فيها غيره.
وقد قدمت فيما قبل أن الإبداع غير مشترك ولا يخضع للتعاضد بل هو لمسة فرد واحد بإحساسه الواحد، ومن تم كان التفرد مفضيا للاستغراق الكلي في إبراز العمل الفني للوجود، ذلك الاستغراق الذي هو نتاج حب عميق هيمن على نفسية الفنان فدفعه دفعا لطغيان الفكرة الإبداعية عليه دائما.
وولادة العمل الفني وإيجاده لن يكون مع مرئى الناس كلهم ومشاهدتهم له، لأن الفنان سواء كان شاعرا أو رساما أو روائيا لا يحاول أن يتم أعماله إلا بعيدا عن العيون، وفي الوقت الذي سيولد العمل ويصبح معروضا أمام الكل فإن نار الإبداع انطفأت وفقدت كثيرا من قدسيتها، وهكذا فإن الاستخفاء يشكل جزءا لا بأس به من الأسلوب الفني لدى الفنان.
وجديرا بالذكر أن ما تكلمنا عليه من قبل في مؤججات الإبداع شيء ضئيل مقارنة مع حقائق الأمور الغير المنضبطة، إذ التعقد والثراء المرتبطين بعملية الإبداع يجعلنا نميل إلى الحذر في تعاملنا مع المقاييس الإبداعية دون استبصار بباقي جوانب شخصية المبدع وحياته ونفسيته وميولاته وتفكيره، على نحو ما تسير حقيقة حياته العامة بأبعادها المتعددة المعقدة.


الهوامش:
(1) الأسس النفسية للإبداع الفني في الرواية للدكتور مصري عبد الحميد حنورة ص 45.
(2) الأسس النفسية للإبداع الفني في الرواية للدكتور مصري عبد الحميد حنورة.

ماسه
17-06-2007, 02:20 PM
اخي محب
والله وسعتلنا افاقنا و مداركنا بمواضيعك الراقية و الاسلوب الادبي الجميل
مرات فعلا الواحد بيخطرله
اي الاصل
انه الواحد يقلد المبدعين و بالتالي بيضمن طريقه للنجاح بسهولة و بدون مخاطرة
او انه يبدع و يبتكر
و حقيقة انا وجدت الجواب في هذا المقال
انه الواحد مو غلط يبدا من حيث انتهى الاخرون(ان صح تعبيري)
يعني يمشي على خطى من سبقوه
ثم ينتقل الى مرحلة الابداع
كما قرات في الجزء الثاني من المقالة
اتوقع في هذه المرحلة بيبدا الفنان يشكل شخصيته المميزة اله
و هون بيكمن النجاح الحقيقي
(والله هالمقال الهمني..بعمري ما جربت اكتب فلسفتي عن الفن)
مشكور اخي محب
:36_1_39: :36_1_39:

الأمــ المنشود ــل
18-06-2007, 05:39 AM
ما شاء الله ....
فعلا كلما كان الإنسان محب لعمله سيبدع فيه إبداع لانظير
له وكذلك الراحة النفسية إلى جانب توفيق الله

مشكور أخي الكريم محب على الموضوع